عبد القادر الجيلاني

152

فتوح الغيب

المقالة السّابعة والعشرون في أنّ الخير والشّرّ ثمرتان اجعل الخير والشّرّ ثمرتين من غصنين من شجرة واحدة ، أحد الغصنين يثمر حلوا والآخر مرّا ، فاترك البلاد والأقاليم ونواحي الأرض الّتي يحمل إليها هذه الثّمرة المأخوذة من هذه الشّجرة ، وابعد منها ومن أهلها ، واقترب من الشّجرة وكن سائسها وخادمها القائم عندها . واعرف الغصنين والثّمرتين والجانبين ، فكن إلى جانب الغصن المثمر حلوا ، فحينئذ يكون غذاؤك وقوّتك منها ، واجتنب أن تتقدّم « 1 » إلى جانب الغصن الآخر فتأكل من ثمرته فتهلك من مرارتها ، فإذا دمت على هذا كنت في دعة وأمن وراحة وسلامة من الآفات كلّها ، إذ الآفات وأنواع البلايا تتولّد من تلك الثّمرة المرّة ، وإذا غبت عن تلك الشّجرة وهمت في الآفاق وقدّم بين يديك من تلك الثّمرتين وهي مختلطة غير متميّزة الحلوة « 2 » من المرّة هنا فتناولت منها ، فربّما وقعت يدك على المرّة فأدنيتها من فيك فأكلت منها جزءا ومضغته ، فسرت المرّة إلى أعماق لهواتك وباطن حلقك ودماغك وخياشيمك ، فعملت فيك وسرت في عروقك وأجزاء جسدك فهلكت بها ، ولفظك الباقي من فيك وغسل أثره لا ينفع ولا يدفع عنك ما قد سرى في جسدك ولا نفعك « 3 » ، وإن أكلت ابتداء « 4 » من الثّمرة الحلوة وسرت حلاوتها في أجزاء جسدك وانتفعت بها وسررت ، فلا يكفيك ذلك ، فلا بدّ تتناول غيرها ثانيا ، فلا تأمن أن تكون الثّانية من المرّة فيحلّ بك ما ذكرته لك ، فلا خير في البعد عن الشّجرة والجهل بثمرتها ، والسّلامة في قربها والقيام معها . فالخير والشّرّ بفعل اللّه عزّ وجلّ ، واللّه هو فاعلهما ومجريهما .

--> ( 1 ) في المطبوع : ( تقدم ) . ( 2 ) في نسخة : ( الحلو ) . ( 3 ) في المطبوع : ( ينفعك ) . ( 4 ) في المطبوع : ( غذاء ) .